أنت غير مسجل في منتديات الحرية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
منتديات الحرية
آخر 10 مواضيع
Just saying hi
(الكاتـب : ) (آخر مشاركة : )
هل يتحول السراب الى حقيقه؟؟؟؟
(الكاتـب : ) (آخر مشاركة : )
تعلم اللغة النجليزية فى اقل من 4 ايام
(الكاتـب : ) (آخر مشاركة : )
التلفزيون الرمضانى2010
(الكاتـب : ) (آخر مشاركة : )


العودة   منتديات الحرية > *.*`¤- منتديات الحرية الفكرية-¤`*.* > ملتقى كتب ومقالات يسارية

ملتقى كتب ومقالات يسارية كتب ومقالات واعمال يسارية


انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية... خلفيات وآفاق/بقلم داود تلحمي

ملتقى كتب ومقالات يسارية




إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-01-2009, 10:49   #1 (permalink)
اداري
رفيق نشيط جدا
 
الصورة الرمزية جيفارا الشمال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
العمر: 26
المشاركات: 255
معدل تقييم المستوى: 131
جيفارا الشمال is on a distinguished road
مميز انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية... خلفيات وآفاق/بقلم داود تلحمي


بقلم داود تلحمي- عضو القيادة المركزية في الجبهة الديمقراطية / رام الله

إثر النصر الكبير الذي حققه المرشح اليساري إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا في الشهر الأخير من العام المنصرم، كانون الأول (ديسمبر) 2005، أورد موقع هيئة البث البريطانية (بي بي سي) على شبكة الإنترنت خارطة لأميركا الجنوبية، تلونت معظم مساحتها باللون الأحمر، إشارةً إلى نجاحات اليسار في غالبية بلدان هذه المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث لم تبق سوى مساحات صغيرة بيضاء، في شمال غربها خاصة، تشير إلى البلدان القليلة التي لا يحكمها بعد رؤساء يساريون أو أحزاب يسارية.
انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998...عام انتخاب تشافيز وموراليس، كما هو معروف، من <<الهنود الحمر>> ، أي من سكان البلاد الأصليين قبل الغزو الأوروبي الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. وقد أطلق خطأ على هؤلاء السكان الأصليين، المنتمين إلى قبائل وشعوب وحضارات متنوعة، اسم الهنود لأن قائد الغزوة الأوروبية الأولى للقارة، كريستوفور كولومبو (كولومبوس)، ظن أنه وصل إلى الهند من الغرب.
ولكن موراليس لم يكن الرئيس اليساري الأول الذي يصل إلى السلطة في أحد بلدان هذه القارة خلال السنوات الأخيرة. فقبل انتصار موراليس اليساري في بوليفيا، تحققت نجاحات كبيرة لليسار في المنطقة، كانت فاتحتها انتخاب الضابط السابق اوغو تشافيز رئيساً لجمهورية فنزويلا في انتخابات ديمقراطية تعددية في العام 1998.
وبعد تشافيز، نجح يساريون آخرون ووطنيون استقلاليون مناهضون لسياسات و<<نصائح>> الولايات المتحدة الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي يسيطر عليها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) في انتخابات ديمقراطية في بلدان أخرى من المنطقة... في تشيلي (2000)، وفي البرازيل (2002)، وفي الأرجنتين (2003)، وفي أوروغواي (2005)، بحيث بات أكثر من 80 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية يعيشون في ظل حكام أو أنظمة يسارية.
وقد تجدد فوز الحزب الاشتراكي في تشيلي برئاسة الجمهورية مرة أخرى في انتخابات الشهر الأول من العام الجاري 2006، مع انتصار مرشحته ميتشيل باتشيليت، لتخلف زميلها في الحزب ذاته ريكاردو لاغوس، ولتصبح أول امرأة تتبوأ هذا الموقع في تشيلي، وأول امرأة تنتخب في أميركا اللاتينية المعاصرة دون أن تكون وريثة رئيس سابق أو زعيم بارز.
هذا، علاوة على أن رئيسة تشيلي الجديدة كانت من المتضررات، بشكل شخصي ومباشر، من الانقلاب العسكري اليميني الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوشيت، بدعم معلن من الإدارة الأميركية ومخابراتها المركزية آنذاك، في العام 1973، ضد الرئيس الشرعي الذي جرى انتخابه، قبل ثلاثة أعوام من ذلك، في اقتراع ديمقراطي لا غبار عليه، اليساري سلفادور اليندي (تلفظ أييندي بالإسبانية). ولعل من الدلالات المهمة لانتخاب باتشيليت كونها تنتمي إلى نفس حزب اليندي، الحزب الاشتراكي. كما كان والدها ضابطاً كبيراً من أنصار اليندي، وجرى اعتقاله بعد الانقلاب العسكري، وتوفي في السجن خلال فترة وجيزة من اعتقاله. في حين تعرضت هي إلى الاعتقال والنفي بسبب نشاطها السياسي كطالبة جامعية في ذلك الحين.
***
وكل المؤشرات تدل على أن الحبل ما زال على الجرار بالنسبة لانتصارات اليسار. حيث يتوقع أن يحقق اليساريون نجاحات في بلدان أخرى من القارة تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية أو كليهما هذا العام ... في بيرو وإكوادور في أميركا الجنوبية، وحتى في نيكاراغوا في أميركا الوسطى، وفي المكسيك، البلد الواقع مباشرة جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الثاني بعد البرازيل من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية (أكثر من مئة مليون نسمة، مقابل 190 مليون نسمة تقريباً للبرازيل).
فما سر هذه النجاحات اليسارية التي تنفرد بها أميركا اللاتينية، بهذه الصورة المنهجية، من بين مناطق العالم الأخرى؟
عواقب العولمة المتوحشة:
وهنا لا بد من التوضيح، أولاً، أن تعبير اللاتينية لا علاقة له بتوصيف ديني، كما قد يظن بعض الناس في منطقتنا. بل يعود إلى كون الغالبية الساحقة من سكان البلدان الواقعة جنوب الولايات المتحدة يتكلـمون إما الإسبانية أو البرتغالية، وكلا اللغتين مشتقتان من اللغة اللاتينية القديمة، كما هو حال عدد من اللغات الأخرى، مثل الإيطالية والفرنسية والرومانية.
وليس هناك سوى عدد قليل من البلدان الصغيرة التي تتكلـم غير هاتين اللغتين، خاصة في منطقة البحر الكاريبي الواقع قبالة أميركا الوسطى (حيث هناك جزر صغيرة كانت، أو ما زالت، مستعمرات أوروبية أو أميركية، يتكلـم بعضها الفرنسية - أو لغة محلية مشتقة منها، تسمى الكريول في بلد مثل هاييتي-، أو الانكليزية، أو الهولندية)...كما في ثلاثة كيانات صغيرة شمال شرقي أميركا الجنوبية (غويانا المتاخمة لفنزويلا، والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسورينام التي كانت مستعمرة هولندية، وغويانا الفرنسية التي ما زالت فرنسا تحكمها)، إلى جانب جزر فوكلاند الشهيرة الواقعة على مقربة من شواطئ الأرجنتين الجنوبية، والتي اشتهرت إبان الحرب التي جرت في العام 1982 عندما حاول الحكام العسكريون الأرجنتينيون ضمها إلى بلدهم، فتعرضوا لضربات الأساطيل البريطانية، التي استعادت السيطرة على الجزر، وما زالت تسيطر عليها.
أما الغالبية الكبرى من سكان المناطق الواقعة جنوب الولايات المتحدة، كما ذكرنا، فيقيمون في بلدان تسيطر عليها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، مع وجود جماعات غير قليلة من سكان القارة الأصليين (<<الهنود الحمر>>)، الذين ما زال بعضهم يتكلـم لغاته الأصلية القديمة.
وبعد استقلال معظم بلدان أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمة الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من قبل الشعوب التي تشكلت فيها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، التي استقلت في أواخر القرن السابق (الثامن عشر) عن الوجود العسكري البريطاني، وقامت بتوسيع مساحة أراضيها عبر ضم وشراء أراضٍ كانت تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية والمكسيكية والروسية، عملت على فرض نفوذها على عموم القارة (مبدأ مونرو، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق، وهو المبدأ المعلن في العام 1823، والقاضي برفض تدخل قوى من خارج القارة، وتحديداً من أوروبا، في القارة). ودأبت واشنطن، مذ ذاك، على التعامل مع هذه المناطق الواسعة كمزرعة أو <<حديقة خلفية>> لها، كما يقال. كما خاضت واشنطن حروباً استعمارية عدة، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، للسيطرة على بعض بلدان المنطقة وبلدان آسيوية مثل الفيليبين. وعملت واشنطن على ربط الشرائح الحاكمة في هذه البلدان بها، وتدخلت مراراً لدعم الأنظمة التابعة لها ولضرب الحركات الشعبية المناهضة للتبعية، طوال القرن العشرين.
وفي الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، ومع تنامي العولمة الرأسمالية وسياسات <<الليبرالية الجديدة>> الملازمة لها على الصعيد الاقتصادي، والتي روجت لها وشجعتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن، سعت واشنطن إلى فرض قوانين وشبكات هذه العولـمة، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية التي تسيطر على قراراتها (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة <<غات>> للتجارة، التي حلت مكانها في أواخر القرن المنصرم منظمة التجارة العالمية... إلى جانب <<منظمة الدول الأميركية>> التي تشمل كل دول القارة الأميركية بشمالها ووسطها وجنوبها - وقد جرى استبعاد كوبا منها في السنوات الأخيرة بضغط من واشنطن). وهكذا، عملت واشنطن على فرض سيطرة شركاتها الكبرى وأولوية مصالحها الخاصة، وضغطت على دول القارة الأخرى للالتزام بقواعد السوق و<<الليبرالية الجديدة>>، تحت يافطة <<الإصلاح الاقتصادي>>. كما حاولت فرض اتفاقات تجارية إقليمية، أو ثنائية، بينها وبين دول المنطقة وفق قواعد ما يسمى <<التجارة الحرة>>، التي تفترض فتح الأسواق دون قيود بين البلدان المعنية، وهو ما يقود عملياً إلى سيطرة رأسمال ومنتجات الدولة الأكثر تطوراً، أي الولايات المتحدة، على أسواق البلدان الأضعف اقتصادياً. وهو ما حصل، بالفعل، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
ولذلك، عندما يتبادر إلى الذهن السؤال الطبيعي: لـماذا يحدث هذا الزحف اليساري المتواصل في هذه المنطقة قبل غيرها من مناطق العالم؟ يأتي الجواب واضحاً على لسان أحد كبار المفكرين اليساريين المتابعين لشؤونها: لأن هذه المنطقة كانت دائماً حقل تجارب أول للولايات المتحدة في <<العالم الثالث>>. وفيها، بالتالي، بدئ بتطبيق وصفات <<الليبرالية الجديدة>> وتوسيع نفوذ وامتداد العولـمة الرأسمالية في شتى المجالات، من منطلق تعزيز التبعية للـمركز الرأسمالي الرئيسي في القارة: الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبالتالي، تجلت سلبيات هذه السياسات الاقتصادية في هذه المنطقة، وعلى نطاق واسع، قبل غيرها من مناطق العالم.
فخلال قرابة العقدين من تطبيق قواعد <<الليبرالية الجديدة>> في معظم بلدان أميركا اللاتينية، اتضح أن هذا النظام الاقتصادي، الذي كان يجري تقديمه على أساس أنه أقصر الطرق لتسريع النمو الاقتصادي وتراجع الفقر، قاد في الواقع إلى زيادة الأثرياء والشرائح المرتبطة بالمصالح الأميركية الشمالية (والأوروبية) ثراء، كما قاد إلى زيادة الفقراء فقراً وإلقاء المزيد من شرائح الفئات الوسطى في أميركا اللاتينية في أتون الفاقة.
ووصلت الأمور في بعض الحالات إلى انفجار أزمات نقدية واقتصادية كبرى، كما في المكسيك العام 1994، ثم في الأرجنتين عامي 2001-2002، وهي أزمات دفعت ثمنها أيضاً بلدان أخرى في محيط البلدين وعموم القارة.
وفي واقع الحال، فإن ما سموها <<الإصلاحات الاقتصادية البنيوية>>، أو <<إعادة هيكلة الاقتصاد>>، قادت إلى تباطؤ النمو في غالبية هذه البلدان. فبينما نمت اقتصادات أميركا اللاتينية بنسبة 82 بالمئة بين العامين 1960 و1980، أي قبل تطبيق هذه <<الإصلاحات>>، نمت اقتصاداتها بين العامين 1980 و2000، أي في ظل هذه الإصلاحات، بنسبة 9 بالمئة فقط!! وحتى بلد غني بالنفط والغاز مثل فنزويلا شهد بين العامين 1970 و1998 ظاهرة مقلقة، وهي انخفاض معدل الدخل القومي للفرد فيه بنسبة 35 بالمئة. وبلد مهم آخر في القارة، وهو الأرجنتين، اتسع عدد الفقراء فيه من مليون مواطن في العام 1990 إلى 14 مليوناً في العام 2001 إبان الانهيار الاقتصادي. وسيطرت، خلال الفترة ذاتها، شركات عابرة للقارات (أميركية وأوروبية خاصة) على أكثر من 4000 مصرف ومنجم وشركات نفط واتصالات ونقل في القارة.
وهكذا، بات 40 بالمئة من سكان أميركا اللاتينية (حوالي 550 مليوناً حالياً) يعيشون تحت خط الفقر، وحوالي 20 بالمئة في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم الواحد). في حين بلغت الفروقات في المداخيل بين الأفقر والأغنى مستويات فاحشة، بكل المعايير، بحيث وضع تقرير التنمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للعام 2005 أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في أدنى المراتب في العالم من زاوية التفاوت في المداخيل، إلى جانب إفريقيا السوداء (جنوب الصحراء الكبرى).
فنزويلا: تشافيز في مقدمة ركب التمرد والتغيير الجذري
وقد أدت هذه الأوضاع المتردية إلى تنامي حركات الاحتجاج والمعارضة الشعبية، التي نشأت غالباً على الأرض وفي الميدان، وانطلاقاً من القاعدة الشعبية المتضررة. وتأطرت لاحقاً بشكل قوى يسارية منظمة، بعضها حديث المنشأ.
التجربة الفنزويلية
وفي هذا المناخ، جاء أوغو تشافيز إلى الحكم في فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية العام 1998، تحت يافطة محاربة الفقر والجوع والفساد ونفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى الأجنبية التي تنهب البلد وثروته الرئيسية، النفط، بحيث لا يستفيد من هذه الثروة المهمة سوى الشركات الأجنبية الكبرى نفسها، وعلى الهامش شريحة محدودة من أثرياء البلد المرتبطين بها وبالمصالح الأجنبية في البلد.
وقد أثبت تشافيز، خلال سنوات حكمه المستمرة حتى الآن بعد إعادة انتخابه العام 2000، شعبيته الهائلة. وخاصة عندما حاولت قوى اليمين في المجتمع وشرائح رجعية في الجيش الفنزويلي، مدعومة مالياً وسياسياً بشكل مكشوف من قبل إدارة جورج بوش الابن في الولايات المتحدة، إحداث انقلاب عسكري على نظامه اليساري في نيسان (إبريل) 2002. حيث قامت الجماهير الفقيرة وشرائح المجتمع المستنيرة واليسارية وقطاعات الجيش المؤيدة لتشافيز بالتصدي للانقلابيين ودحرهم، وتمت إعادته إلى الحكم خلال 48 ساعة بعد بدء الانقلاب، تورطت إدارة جورج بوش الابن أثناءها بإعلان دعمها العلني للانقلابيين وتأييدها لنظامهم!!
وعندما حاولت قوى اليمين الفنزويلي بعد ذلك الفشل المريع الأول، وبدعم متجدد من واشنطن، استغلال بند في الدستور الجديد، الذي تم وضعه في العام 1999 بإيعاز من تشافيز، يسمح بالاطاحة بأي مسؤول منتخب بعد مضي نصف ولايته، بما في ذلك الرئيس نفسه، عبر تقديم عريضة شعبية تحمل تواقيع 20 بالمئة من عدد الناخبين المسجلين ( في هذه الحالة 2ر4 مليون ناخب) بهدف إجراء استفتاء شعبي لسحب الثقة من الرئيس، لـم يهرب تشافيز من التحدي. وأجري الاستفتاء فعلاً في آب (أغسطس) من العام 2004، فحقق تشافيز نجاحاً باهراً فيه. حيث دعمته غالبية كبيرة من السكان (حوالي 58 بالمئة من المصوتين)، ما شكل ضربة قوية لليمين الفنزويلي، لـم يستفق منها حتى الآن، ولن يستفيق منها بسهولة.
جاء ذلك بعد فشل أشكال شتى من محاولات تعطيل الاقتصاد الفنزويلي، وقطاع النفط تحديداً، نظمتها الأوساط اليمينية، وفق نموذج الإضرابات التي جرت في تشيلي في مطلع السبعينيات الماضية، والتي مهدت للانقلاب العسكري الدموي على حكم الرئيس اليساري الشرعي سلفادور اليندي.
وبعد إحباط كل هذه المؤامرات على نظامه، عمل تشافيز على إعادة إحياء آلة إنتاج ثروات البلاد الرئيسية، وخاصة النفط والغاز (فنزويلا سابع منتج للنفط في العالم، وخامس المصدرين له، وتستورد منه حتى الولايات المتحدة قرابة الـ 15 بالمئة من استهلاكها النفطي لتشكل رابع مصدر استيراد لواشنطن من هذه المادة الحيوية، بعد السعودية وكندا والمكسيك. كما ان فنزويلا أول منتج للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية). وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط العالمية لتبلغ أرقاماً قياسية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق، حيث تجاوز سعر البرميل سقف الـ 60 دولاراً).
وهكذا، بعد عودة الاستقرار للبلد وإعادة تشغيل المرافق النفطية وحسم شرعية السلطة بهذا الشكل الباهر، دون المساس بالحريات العامة أو بالتعددية والديمقراطية، توفرت للخزينة الفنزويلية مبالغ كبيرة، قاربت الـ50 مليار دولار في العام 2005. ما سمح لنظام تشافيز بتحقيق برامج إصلاح وتنمية اجتماعية واسعة. وشملت هذه البرامج حملة واسعة لـمحو الأمية، وتأمين العلاجات الطبية المجانية الواسعة للفقراء، بدعم زهاء 20 ألف طبيب استقدموا من كوبا، وإرسال بعثات دراسية كبيرة تشمل زهاء 20 ألف شاب لتعلـم الطب في كوبا وبلدان أخرى، الخ...
وخارجياً، سعت فنزويلا إلى دعم اقتصاديات دول أميركا اللاتينية المحتاجة والفقيرة، فقامت ببيع النفط بأسعار مخفضة للعديد من دول المنطقة اللاتينية والكاريبي، كما لبعض المناطق الفقيرة والمنكوبة في الولايات المتحدة نفسها... إلى جانب سعي تشافيز إلى إقامة وتشجيع اتفاقات التكامل الاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية، بديلاً عن الاتفاقات التي عملت الولايات المتحدة على فرضها على بلدان القارة الأخرى لصالح اقتصادها وشركاتها الكبرى.
وربما كان هذا الجانب الاقتصادي هو الأخطر بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ففي سياق تطبيقات العولمة الرأسمالية، أبرمت واشنطن اتفاق تجارة حرة مع كل من كندا والمكسيك في العام 1994 عرف بالأحرف الأولى لاسمه بالإنكليزية، <<نافتا>> (اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية)، وحققت بذلك منافع كبيرة لشركاتها الكبرى لاختراق السوق المكسيكية بشكل خاص. كما عملت على التحضير لعقد اتفاق آخر مع دول أميركا الوسطى (غواتيمالا، بيليز، هوندوراس، السلفادور، نيكاراغوا، كوستاريكا، وبنما) بالإضافة إلى جمهورية الدومينيكان في بحر الكاريبي، تحت اسم <<اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان>> (<<كافتا>>، بالأحرف الأولى الإنكليزية). وهو اتفاق لـم يتم إبرامه بعد من قبل كافة البلدان المعنية، كما وضع الكونغرس الأميركي شروطاً مسبقة على البلدان اللاتينية المعنية للـموافقة على ضمها للاتفاق. حيث لـم يدخل سريانه إلا في دولة السلفادور مؤخراً، في جو معارضة نشطة واسعة في الشارع هناك للاتفاق ونتائجه على البلد واقتصاده الضعيف.
كما سعت واشنطن بقوة إلى إبرام اتفاق مع دول أميركا الجنوبية ليتم التوقيع عليه في مطلع العام 2005 تحت اسم اتفاقية <<منطقة التجارة الحرة للأميركيتين>>. لكن عدداً من دول أميركا اللاتينية الرئيسية واجهت وأبطلت مشروعها هذا، وفي المقدمة البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وفنزويلا. وكان أوغو تشافيز رأس الحربة في مواجهة هذا المشروع الأميركي، حيث قام بحملة تحريض واسعة ضده. ووجد الرئيس جورج بوش نفسه في الزاوية في قمة الدول الأميركية في مار دل بلاتا في الأرجنتين، في أواخر العام 2005، بحيث تعطل مشروع الاتفاق التجاري تماماً، وتم وضعه في الثلاجة. وخرج تشافيز من قاعة الاجتماعات ليخاطب الجماهير الأرجنتينية، وجماهير جنوب القارة، في مهرجانات حاشدة، داعياً إلى رفض التبعية للولايات المتحدة وإلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول أميركا اللاتينية، مستوحياً دور البطل الأميركي الجنوبي الشهير، سيمون بوليفار، الذي سعى في مطلع القرن التاسع عشر إلى انتزاع استقلال مناطق شمال وشمال غربي أميركا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، والى توحيد مجمل البلدان الأميركية اللاتينية.
من بوليفار، إلى خوسيه مارتي، وزاباتا، وساندينو... استلهام أبطال التاريخ:
وليس غريباً أن يلجأ تشافيز إلى العودة إلى هذه الينابيع التاريخية، فيطلق على حركته اسم <<الثورة البوليفارية>> وعلى اسم البلد <<جمهورية فنزويلا البوليفارية>>، خاصة وأن بوليفار من مواليد عاصمة فنزويلا الحالية، كراكاس. فقد سبقه العديد من الحركات الثورية المعاصرة في أميركا اللاتينية، التي درجت على ربط اسمها باسم أحد أبطال التحرر الوطني والتقدم في بلدانها... فهذا هو الحال مع خوسيه مارتي بالنسبة إلى كوبا، وإميليانو زاباتا في المكسيك (حيث الحركة الزاباتية الراهنة في جنوب البلاد تستند إلى قاعدة من أهل البلاد الأصليين- <<الهنود الحمر>>)، وساندينو في نيكاراغوا، وفرابوندو مارتي في السلفادور، والثائر <<الهندي الأحمر>> توباك أمارو في أوروغواي، الذي اشتق اسم حركة <<توباماروس>> الثورية، التي نشطت خاصة في السبعينيات الماضية، من اسمه، وهي حركة يشارك الآن ورثتها في الحكم اليساري الجديد في البلد، الخ....
ويبدو واضحاً الآن أن أوغو تشافيز، الذي كان في الماضي ضابطاً في الجيش الفنزويلي، قد تطور في السنوات الأخيرة على صعيد مواقفه الفكرية والسياسية باتجاه أكثر جذرية، إلى حد أنه بات يتحدث عن <<اشتراكية القرن الحادي والعشرين>>، ويعزز علاقاته مع كوبا وزعيمها التاريخي فيديل كاسترو. ومن الواضح أن القائد الكوبي التاريخي، صاحب التجربة الثورية الغنية والاطلاع الواسع والخبرة الطويلة في الحكم، في ظروف إقليمية واقتصادية داخلية صعبة جداً أحياناً، له تأثير كبير على العديد من القيادات اليسارية الجديدة في أنحاء أميركا اللاتينية، وعلى شبيبة هذه القارة بشكل عام.
وقد لاحظنا استمرارية الدور الكوبي الثوري في القارة، بشكل واضح، خلال زيارة إلى كوبا في أواخر العام 1994، أي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانهيار التجارب الاشتراكية الأخرى في أوروبا الشرقية والوسطى. وهي الانهيارات التي اعتقد حكام واشنطن أنها تمهد لانهيارات شبيهة في كوبا وفي دول آسيا الشرقية، وتحديداً في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية، وعملوا على نشر صورة قاتمة ومشوهة عن الوضع في كوبا وعن نظام فيديل كاسترو، الذي روجوا أنه على وشك الانهيار أيضاً.
في حين لاحظنا، في مؤتمر للتضامن مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي الأميركي لها، انعقد في خريف العام 1994، وشارك فيه زهاء الثلاثة آلاف شخص من مختلف بلدان العالم، جاءوا وأقاموا على حسابهم الخاص أو على حساب الأحزاب والمؤسسات التي ينتمون إليها، لعدم الإثقال على الأوضاع المالية لكوبا، التي كانت صعبة جداً آنذاك، لاحظنا، إلى جانب الحضور الواسع من أنحاء العالم ومن تياراته السياسية اليسارية والوطنية والدينية المتنورة والإنسانية المتنوعة، بما في ذلك العديد من التنظيمات الفلسطينية والعربية، حضوراً كثيفاً وواسعاً لشبيبة بلدان أميركا اللاتينية وحماسة كبيرة في استقبال كلـمات كاسترو، ذي القدرات الخطابية الهائلة، والمسؤولين الكوبيين الآخرين. وكان بين الحضور العديد من أعضاء القوى اليسارية الجديدة في القارة اللاتينية ومن ممثلي التيارات التقدمية والإنسانية فيها، بما في ذلك الأوساط الدينية المستنيرة المناهضة للهيمنة الأميركية الشمالية. كما كان بين الحضور شخصيات سياسية وثقافية ودينية معروفة، ومن بينهم، مثلاً، قادة وأعضاء في حزب الشغيلة البرازيلي، الذي وصل زعيمه لويس إنياسيو داسيلفا، المعروف باسم التحبب <<لولا>>، إلى رأس السلطة في البرازيل في انتخابات العام 2002. كما كان حاضراً زعيم تكتل اليسار الثوري (جبهة فرابوندو مارتي للتحرر الوطني) في السلفادور، شفيق حنضل، ذو الأصول الفلسطينية. ومعروف أن حنضل، الذي قاد اليسار الثوري في السلفادور في مرحلة المواجهة مع النظام التابع، كما في المرحلة العلنية اللاحقة بعد الوصول إلى اتفاق وطني للعمل الديمقراطي لكافة التيارات، جرى ترشيحه عن اليسار في انتخابات الرئاسة السلفادورية في آذار (مارس) 2004، فحصل على أكثر من ثلث الأصوات، فيما نجح المرشح اليميني، انطونيو السقا، المدعوم من الولايات المتحدة وأنصارها في البلد بقوة، وهو من أصول فلسطينية أيضاً ومن نفس مدينة عائلة حنضل، بيت لحم.
وقد توفي شفيق حنضل مؤخراً، وتحديداً في الشهر الأول من العام 2006. ونعته أوساط فلسطينية ويسارية أميركية لاتينية وعالمية. وكرس له تشافيز فقرة طويلة، وهتف باسمه أكثر من مرة، في خطاب ألقاه في عاصمة فنزويلا، كراكاس، في شهر شباط (فبراير) 2006، أمام حشد كبير من المواطنين والوفود الآتية من أنحاء القارة والعالم.
وقد شكل انتصار "لولا" داسيلفا في انتخابات الرئاسة في البرازيل في العام 2002 علامة مهمة جداً بالنسبة لأوضاع أميركا اللاتينية، لكون البرازيل عملاقاً سكانياً واقتصادياً. حيث يسكنها زهاء الـ 190 مليون نسمة، أي ثلث سكان القارة تقريباً. وهي بالتالي الدولة الخامسة من حيث عدد السكان في العالـم، بعد الصين والهند والولايات الـمتحدة وإندونيسيا. كما ان اقتصادها يعتبر، من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي، الاقتصاد الخامس عشر في ترتيب دول العالـم. ومعروف أن "لولا" قاد معركته الانتخابية تحت لافتة محاربة الفقر والجوع وتوفير وجبات يومية منتظمة لكل مواطن. وهو نفسه من أصول شعبية متواضعة، وكان عاملاً ثم زعيماً نقابياً بارزاً خلال سنوات طويلة.
ولكن يبدو أن حجم البلد الضخم وقوة الشريحة الرأسمالية الـمسيطرة على اقتصاده وتداخلات الشركات العابرة للقارات (الأميركية والأوروبية والآسيوية، الخ...)، كما وعدم توفر أغلبية لحزبه، حزب الشغيلة، في الهيئات التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ)، كلها لعبت ربما دوراً في تبنيه سياسات حذرة وإصلاحات بطيئة، لـم ترضِ القطاعات الأكثر جذرية في الـمجتمع (بما في ذلك قطاع الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد دعموه في الانتخابات).




وهكذا، قدم "لولا" نموذجاً مختلفاً عن نموذج تشافيس لليسار الزاحف في أميركا اللاتينية، حيث لـم تستفز سياساته الاقتصادية الولايات الـمتحدة، لا بل أشادت الإدارة الأميركية والبنك الدولي بها، خلافاً لـما حدث مع جاره الشمالي أوغو تشافيس وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية الجذرية. علـماً بأن "لولا" سعى لاتباع سياسة خارجية متقدمة نسبياً. فانفتح على الصين وعقد معها العديد من الاتفاقات الاقتصادية، بحيث باتت الصين طرفاً تجارياً مهماً مع البرازيل ومستورداً كبيراً للـمواد الأولية منها، وبالطبع، مصدراً كبيراً أيضاً للصناعات الـمتطورة والـمتنوعة لهذا العملاق الآسيوي الصاعد. كما تم عقد اتفاقات لـمد البرازيل بالنفط والغاز من فنزويلا. ويجري الحديث عن إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز الى البرازيل، وعبره الى الأرجنتين وبلدان أخرى من أميركا الجنوبية. كما دعم حكم "لولا" دعوات تشافيس لتعزيز الاتفاقات الاقتصادية والتجارية بين دول أميركا اللاتينية، بديلة من الاتفاقات التي دعت إليها الولايات الـمتحدة لربط دول القارة باقتصادها هي.
ولكن حذر "لولا" وبطء خطواته الإصلاحية الداخلية، علاوة على إشكالات وقع فيها بعض كبار قادة حزبه ووزرائه، حيث اتهموا بإجراءات غير قانونية لتمويل الحملات الانتخابية ولكسب أصوات النواب من خارج حزب الشغيلة لصالح مشاريع القرارات الـمختلفة لإدارة "لولا"، كلها جعلت وضع الرئيس اليساري البرازيلي حساساً، خاصة في عام انتخابي كالعام الحالي. حيث تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الفاتح من تشرين الأول القادم. وليس من الـمضمون سلفاً نجاح "لولا" في هذه الانتخابات، رغم استعادته، الى حد كبير، شعبيته الشخصية على مستوى الشارع في الأشهر الأخيرة. حيث أظهرت استطلاعات الرأي في مطلع ربيع العام 2006 استمرار تقدمه على أي مرشح آخر محتمل.
وبين النظم اليسارية الأخرى في أميركا اللاتينية، نستطيع أن نقول إن بوليفيا، التي نجح في انتخاباتها الرئاسية، في الشهر الأخير من العام 2005، كما ذكرنا، زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، إيفو موراليس، ذو الأصول "الهندية الحمراء" الخالصة، بأغلبية كبيرة ومنذ الدورة الأولى لهذه الانتخابات، هو الأقرب، من حيث نهجه وتوجهاته الجذرية، الى نموذج تشافيس في فنزويلا. علـماً بأن بلده، الذي اشتق اسمه من اسم قائد تحرر وتوحيد أميركا اللاتينية في مطالع القرن التاسع عشر، بوليفار، الذي يعتبره زعيم فنزويلا اليساري تشافيس رمز حركته الثورية، هو البلد الأفقر في أميركا الجنوبية، رغم ثرواته الـمعدنية والنفطية والغازية (فالبلد هو الثاني من حيث ثروة الغاز الطبيعي في جنوب أميركا، بعد فنزويلا). وذلك يعود لكون هذه الثروات كانت مسيطراً عليها من قبل شركات كبرى أجنبية، ولكون السياسات الـمتبعة من قبل الحكومات السابقة، بتشجيع من واشنطن، قد قادت الى خصخصات واسعة، بما في ذلك لشبكات الـمياه الوطنية، لصالح هذه الشركات الأجنبية (في حالة الـمياه، هي شركة خاصة فرنسية)!




كوبا الـمحاصرة تتنفس الصعداء... وتضحيات غيفارا ورفاقه لـم تذهب سدى:
ومن الـمفارقة التاريخية أيضاً أن تكون بوليفيا، يسارية النظام حالياً، هي البلد الذي تمت فيه تصفية القائد الثوري الأميركي اللاتيني البارز، إرنستو غيفارا - الـمعروف بلقب "تشي"-، في أواخر العام 1967، على يد قوات حكومية بوليفية مدعومة بخبراء وعسكريي الـمخابرات الـمركزية والقوات الخاصة الأميركية. وإذا كان مقتله في تلك الحقبة لـم يُثر اهتماماً كبيراً لدى فلاحي بوليفيا البؤساء ذوي الأصول "الهندية الحمراء"، الذين سعى غيفارا لنصرة قضيتهم ولتنظيمهم لتحرير بلدهم من سطوة الأجنبي وأتباعه، فإن صور وملصقات شهيد أميركا اللاتينية الكبير غيفارا منتشرة الآن في أنحاء البلد. والفلاحون ذوو الأصول "الهندية الحمراء"، بقيادة رئيس البلاد الجديد موراليس، باتوا الآن يحملون وصيته على أكفهم.
وهذا، بلا شك، يشكل نجاحاً كبيراً لكوبا، التي كان غيفارا أحد قادة ثورتها التي انتصرت في مطلع العام 1959. وقد حرصت كوبا على تكريمه وتخليده بعد تصفيته إثر نفاد ذخيرته وذخيرة رفاقه في مواجهة غير متكافئة جرت في خريف العام 1967. فعملت على استعادة رفاته من بوليفيا بعد أن تم العثور عليها في العام 1997. وتمت إعادة دفنها في مدينة سانتا كلارا الواقعة شرقي كوبا في حفل تكريم ضخم وحاشد، وتحت ظل نصب تذكاري كبير لشهيد الثورات الأممية الكبير. كما عمل الكوبيون وأنصارهم، والأوساط اليسارية في أميركا اللاتينية عموماً، على نشر صوره وملصقاته وكتاباته والأناشيد التي تتغنى بدوره الثوري، ليس فقط في كوبا وبوليفيا، وإنما في أنحاء القارة والعالـم، بحيث تعززت صورته كرمز ثوري رومانسي عالـمي، ونموذج للتضحية بالذات من أجل مستقبل الشعوب وطبقاتها وفئاتها الـمضطهدة والـمغبونة.
وهكذا، يكون بإمكان إرنستو غيفارا، الأرجنتيني الـمولد، الكوبي بالتبني الثوري، والأميركي اللاتيني والأممي في نشاطه اللاحق بعد انتصار الثورة الكوبية، بإمكانه أن يرقد مرتاحاً في ضريحه الـمقام الآن في سانتا كلارا، لكون تضحيته وتضحيات رفاق دربه ونضاله لـم تذهب سدى. بل تركت بذوراً، أنبتت وأزهرت، ورفعت رايات التحرر والانعتاق وكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وفتحت آفاقاً لتحول لاحق نحو مجتمع الـمساواة والعدل وازدهار الإنسانية، مجتمع الاشتراكية. وكلها أهداف عمل غيفارا طوال حياته القصيرة من أجلها، في بوليفيا، كما في عموم القارة.
ومن الـمبكر، طبعاً، أن نحكم على مآل تجربة الحكم اليسارية الجديدة في بوليفيا وهي ما زالت في بداياتها، وأمامها مهمات كبيرة وعد بها موراليس ناخبيه، كانتخاب جمعية تأسيسية وكتابة دستور جديد، وتأميم الثروات الأساسية في البلد، كالنفط والغاز، وإنهاء خصخصة الـمياه وقطاعات الخدمات العامة الأخرى، ووضع حدّ للتركة الثقيلة التي تركها تطبيق توصيات مؤسسات العولـمة الرأسمالية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإدارة الأميركية التي تسيطر عملياً عليهما. كل ذلك في سبيل إخراج غالبية سكان البلد من حالة الفقر والفاقة التي يعانون منها، ومعظمهم مثله من سلالات سكان البلاد الأصليين.
لكن يبقى، كما أعلن موراليس نفسه مباشرة بعد انتخابه، وخلال جولته العالـمية الكبيرة التي أتمها قبل تنصيبه رسمياً رئيساً للبلد، وهي جولة شملت عدداً من دول القارة، وخاصة فنزويلا وكوبا والبرازيل، كما شملت دولاً أبعد مثل جنوب إفريقيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا والصين، أعلن أنه سيعمل من أجل مشروعه الطموح الكبير، باعتباره زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، جنباً الى جنب مع حليفيه الأقرب، كما قال، فيديل كاسترو، وأوغو تشافيس. وجدير بالإشارة أن موراليس كان قد وصف نفسه ابان الحملة الانتخابية بكونه "أسوأ كابوس لواشنطن".
üüü
اجتهادات مفتوحة، وتكافل إقليمي، وفضائية مشتركة:
أما التجارب اليسارية الأخرى في أنحاء أميركا اللاتينية، فلكل منها سماتها الخاصة. فأوروغواي، نجح في انتخاباتها الرئاسية والتشريعية في أواخر العام 2004 تحالف يساري واسع يحمل اسم "الجبهة الـموسعة"، حاول في الـماضي أكثر من مرة الوصول الى السلطة في هذا البلد الذي يعتبر من بين البلدان الأصغر في أميركا الجنوبية (أكثر قليلاً من ثلاثة ملايين نسمة). وعمل رئيسها اليساري الجديد، تاباري فاسكيس، والحكومة الائتلافية اليسارية الحاكمة، على هدى برنامجهم الانتخابي، الى إنجاد سريع للشرائح الفقيرة في البلد والتي عانت من سياسات "الليبرالية الجديدة" التي مورست في ظل الحكومات السابقة، خاصة في التسعينيات الـماضية، ومن بينها الانعكاسات الـمأساوية على البلد للانهيار الاقتصادي والـمالي الذي أصاب الأرجنتين الـمجاورة في أواخر العام 2001، وخلال العام 2002.
ورغم أن النظام اليساري الجديد سارع، منذ اليوم الأول لتنصيبه، الى إعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعها النظام السابق مع كوبا، وإلى فتح قنوات تعاون واسعة مع أوغو تشافيس في فنزويلا، إلا إن خطواته الاقتصادية عامة اتسمت بالحذر. فلـم تقطع مع الـماضي وشبكة علاقاته، بما في ذلك مع الولايات الـمتحدة، التي وقعت معها أوروغواي اتفاق تجارة حرة ثنائياً.
علـماً بأن أوروغواي مشاركة أصلاً في التكتل التجاري لبلدان أميركا الجنوبية (ميركوسور)، الذي تأسس في مطلع التسعينيات الـماضية، وتشكلت نواته الأولى من كل من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي، وانضمت إليها لاحقاً دول أخرى من أميركا الجنوبية، وتحديداً بوليفيا وتشيلي وبيرو وكولومبيا وإكوادور، ومؤخراً فنزويلا.
وهذا التكتل التجاري الأميركي الجنوبي البحت مطروح الآن عملياً كإطار موازٍ وبديل للـمقترح الأميركي الشمالي بإنشاء تكتل يشمل كل القارة، بحيث تصبح واشنطن هي مركز هذا التكتل والطرف الـمركزي والـمستفيد الرئيسي منه، كما ذكرنا، وهو الـمقترح الذي جابهته الدول يسارية الأنظمة وأحبطته حتى الآن. هذا في حين عمل تشافيس على تشكيل إطار أكثر قوة وطموحاً سمّاه "اتفاقية أميركا اللاتينية البوليفارية" - (ألبا)، بالأحرف الإسبانية الأولـى-، فيما الأحرف الأولى للـمشروع الأميركي للتجارة الحرة هي (ألكا).
كما شاركت أوروغواي مع فنزويلا وكوبا والأرجنتين في تأسيس وتمويل فضائية أميركية لاتينية جديدة (على غرار فضائية "الجزيرة" العربية من حيث انتشار بثها، كما قال تشافيس نفسه) حملت اسم "تيليسور" - أي تلفزيون الجنوب -. وبدأت هذه الفضائية البث في أواخر العام 2005 لـمواجهة وسائل الإعلام اليمينية واسعة النفوذ في بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك الفضائيات الدولية الكبرى، مثل "سي إن إن" الأميركية، التي تبث بالإسبانية أيضاً، و"بي بي سي" البريطانية، وغيرهما. وبرامج هذه الفضائية، متعددة اللغات، تفتح الـمجال أيضاً لكشف أسرار السياسات العدوانية الأميركية، ليس في القارة وحدها وإنما في العالـم كله، بما في ذلك خلفيات وأسرار حربي الولايات الـمتحدة على أفغانستان والعراق، والـمبرر الذي جرى استخدامه لشنهما، هجمات 11 أيلول الشهيرة على نيويورك وواشنطن.
üüü
تجربة خاصة وتطور اقتصادي سريع في كل من تشيلي والأرجنتين :
والوضع شبيه، من هذه الزاوية، بالنسبة لجمهورية تشيلي الواقعة على الشواطئ الجنوبية الغربية لأميركا الجنوبية، والتي تعتبر من أقوى الاقتصادات في القارة (الثانية في أميركا اللاتينية من حيث معدل دخل الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، بعد الأرجنتين، حيث يتجاوز هذا الدخل العشرة آلاف دولار سنوياً، ما يجعل البلد من هذه الزاوية في مصاف البلدان متوسطة الدخل في العالـم).
فقد نجحت رئيسة يسارية، كما ذكرنا، في الانتخابات التي جرت دورتها الثانية في الشهر الأول من العام 2006، هي ميتشيل باتشيليت، التي تم تنصيبها رسمياً وتسلـمها لـمسؤولياتها يوم 11 آذار 2006. وهي تنتمي الى نفس الحزب الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه الرئيس الأسبق الـمغدور سلفادور اليندي، الـمطاح به من قبل انقلاب عسكري مدعوم من الولايات الـمتحدة في العام 1973. ومعروف أن قائد هذا الانقلاب اليميني، الجنرال أوغوستو بينوتشيت، حكم تشيلي بقبضة قمعية ودموية شديدة منذ ذلك الحين وحتى العام 1990. وبعد رحيله عن السلطة، تم تنظيم انتخابات ديمقراطية، مقيدة بعض الشيء، مما لـم يمنع بروزاً قوياً، في أول انتخابات نيابية ورئاسية تعددية، لتيارات وأحزاب ائتلف بعضها ليشكل تحالفاً ديمقراطياً ضم أحزاباً من الوسط ويسار الوسط واليسار، شمل في ما شمل الحزب الاشتراكي وكذلك الحزب الديمقراطي الـمسيحي وغيرهما. وكان الرئيسان الأولان الـمنتخبان، بعد فترة الحكم الديكتاتوري، واللذان رشحهما هذا الائتلاف، من الحزب الديمقراطي الـمسيحي. أما الرئيسان اللاحقان، الرئيس الـمنتخب عام 2000 ريكاردو لاغوس والرئيسة الـمنتخبة مؤخراً ميتشيل باتشيليت، فهما من الحزب الاشتراكي.
وقد شهدت تشيلي في السنوات الأخيرة نمواً اقتصادياً سريعاً (نسبة النمو خلال الخمسة عشر عاماً الـماضية بلغت 5% سنوياً)، فتحولت الى إحدى الدول الأكثر تطوراً في أميركا اللاتينية، بعد الأرجنتين، من حيث معدل الناتج الـمحلي الإجمالي للفرد، الذي يتجاوز حالياً، كما ذكرنا، العشرة آلاف دولار سنوياً. وتصبح بذلك تشيلي في الـمرتبة العالـمية الخمسين من حيث معدل الدخل للفرد، غير بعيدة عن بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى الأكثر تطوراً، مثل الـمجر وسلوفاكيا وسلوفينيا، والبلدان الثلاثة الأخيرة أعضاء حالياً في الاتحاد الأوروبي.




وقد أبرمت تشيلي في السنوات الأخيرة اتفاقات تجارة حرة مع الولايات الـمتحدة كما مع دول أوروبية وآسيوية. ومن الـمستبعد، حسب الـمتابعين لشأن البلد، أن تحدث الرئيسة اليسارية الجديدة تغيراً جذرياً على هذه السياسات، لكنها يمكن أن تركز أكثر على تقليص الهوة في الـمداخيل بين الأغنى والأفقر في البلد وعلى تطوير الضمانات الاجتماعية للطبقات الدنيا. وهكذا، في الـمجال الاجتماعي، كان أحد القرارات الأولى للرئيسة الجديدة إعفاء الـمسنين ما فوق الستين من العمر من تكاليف العلاج الطبي، أي توفير ضمان صحي كامل لهذه الشريحة الـمتزايدة الحجم من سكان البلد.
كما من الـمتوقع أن تعمل الرئيسة الجديدة على تطوير العلاقات الاقتصادية بينها وبين دول أميركا اللاتينية الأخرى، بما في ذلك مع جارتها الشمالية الشرقية بوليفيا، التي بينها وبين تشيلي خلاف قديم على الأرض، حيث كانت تشيلي قد ضمت في حرب سابقة بين البلدين أراضي لبوليفيا كانت منفذاً لها على البحر، أي الـمحيط الهادئ، ما جعل بوليفيا بعد ذلك بلداً دون منفذ بحري. وهو وضع يمكن أن تسعى بوليفيا اليسارية الحالية الى تجاوزه في مفاوضات مع تشيلي.
وفي الأرجنتين الـمجاورة، التي مرت بأزمة اقتصادية ومالية عصيبة في العامين 2001-2002، تمكن الرئيس الـمنتخب في العام 2003، نستور كيرشنير، الذي يمكن تصنيفه من يسار الوسط أيضاً، من أن يحقق إنجازات كبيرة في مجال إعادة الحياة للاقتصاد الـمأزوم والغارق في الديون، عبر تحدي توصيات صندوق النقد والبنك الدولي، وتعزيز العلاقات البينية الأميركية اللاتينية، بما في ذلك مع فنزويلا، التي تؤمّن لجاراتها حاجاتها من مصادر الطاقة الطبيعية، ومن خلال تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين دول أميركا الجنوبية.
üüü
وهكذا، نحن أمام ظاهرة واسعة من التحول نحو الخيارات اليسارية في عموم أميركا اللاتينية، عنوانها رفض سياسات الإلحاق الأميركية والعولـمة الرأسمالية التي تروج لها واشنطن بدرجة رئيسية، وبالـمقابل السعي لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية وغيرها من العلاقات بين دول الـمنطقة. وإن كانت هناك أنماط متعددة من التطبيقات في هذه الـمنطقة الواسعة، كما رأينا، تتراوح بين التوجه الجذري الذي تتصدره فنزويلا ورئيسها أوغو تشافيس، والتوجه الإصلاحي التطويري الحذر الذي تسير فيه، على سبيل الـمثال، تشيلي والبرازيل وأوروغواي وغيرها.




وكما أشرنا أعلاه، فإن انتخابات العام الجاري في عدد من بلدان القارة قد تضم بلداناً أخرى الى الـموجة اليسارية الـمناهضة لسياسات "الليبرالية الجديدة" التي ترفع راياتها واشنطن. ومن بين هذه البلدان، على الأرجح، نيكاراغوا، في أميركا الوسطى، والتي تشهد انتخابات رئاسية ونيابية في شهر تشرين الثاني القادم، حيث تشير استطلاعات الرأي الحالية الى ترجيح انتصار الحركة الساندينية فيها (وهي الحركة التي حكمت البلد خلال معظم الثمانينيات، وواجهت في حينه محاولات متواصلة للإطاحة بحكمها من قبل القوى اليمينية والـميليشيات الـمسلحة التي انتشرت على حدود البلد والـمعروفة باسم "كونتراس"، والتي كانت تمولها وتدربها الـمخابرات الـمركزية الأميركية، تساعدها الأجهزة الإسرائيلية، كما بات الآن معروفاً).
كما ان هناك مرشحاً وطنياً استقلالياً في الانتخابات الرئاسية في بيرو، التي تجري دورتها الأولى قبل أواسط نيسان 2006. وتعطي استطلاعات الرأي هذا الـمرشح فرصاً جدية في النجاح. وهو، واسمه أويانتا أومالا، عسكري سابق، كما تشافيس، وله جذور "هندية حمراء". وقد أدت الإشادة به من قبل رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، واستقباله من قبله في عاصمته كراكاس، الى أزمة سياسية مع النظام القائم في بيرو، الـمرتبط بالسياسات الأميركية الشمالية، والذي لديه مرشحته الخاصة في هذه الانتخابات.




الـمكسيك الكبيرة، ومرشح اليسار القوي لرئاستها، مصدر قلق لدى واشنطن:
وربما تشهد الـمكسيك أيضاً، وهي، كما ذكرنا، البلد الثاني من حيث حجم السكان (أكثر من 100 مليون نسمة) في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، في انتخابات مهمة تجري في مطلع تموز القادم، حدثاً شبيهاً بتفوق مرشح يساري بارز. ما سيشكل، في حال وقوعه، كسراً لاحتكار اليمين للسلطة في البلد منذ زهاء القرن. ذلك أن التقديرات واستطلاعات الرأي تشير حالياً الى احتمال وصول مرشح ذي توجهات يسارية الى سدة الرئاسة، هو رئيس بلدية العاصمة مكسيكو منذ العام 1997، أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، مرشح "حزب الثورة الديمقراطية" اليساري.
وأوبرادور يتمتع بشعبية كبيرة في البلد، ويتوقع، حتى كتابة هذه الأسطر، أن يتجاوز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية كلا الـمرشحين الرئيسيين الآخرين، مرشح الحزب الذي سيطر على السلطة حوالي الثمانية عقود، منذ عشرينيات القرن الـماضي، ومرشح الحزب اليميني الآخر الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي فيسنتي فوكس، الـمقرب جداً من الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن، الذي خصه بأول زيارة رسمية له خارج الولايات الـمتحدة بعد تسلـمه (أي بوش) مسؤولياته في العام 2001.
ومن الطبيعي أن تشعر الولايات الـمتحدة بالقلق عندما تصل موجة اليسار الـمتمددة الى حدودها الجنوبية. خاصة أن نفوذ واشنطن في الـمكسيك كان، طوال عقود طويلة، كبيراً جداً، سواء من خلال التدخلات العسكرية والأمنية والسياسية، أو التداخلات الاقتصادية الواسعة، التي توجها في العام 1994 اتفاق التجارة الحرة بين بلدان أميركا الشمالية (كندا، الولايات الـمتحدة، الـمكسيك)، أو من خلال وجود جالية مكسيكية كبيرة في الولايات الـمتحدة، وبينها أكثر من 12 مليوناً من الـمقيمين بشكل غير قانوني، أي من الذين دخلوا الولايات الـمتحدة دون تصريح. وتوفر هذه الجالية توريدات مالية كبيرة للـمكسيك. وبإمكان أية إدارة أميركية أن تستخدم، من بين أدوات ضغط عدة، وضع هؤلاء الـمهاجرين غير الشرعيين كمادة ابتزاز من أي نظام حكم في مكسيكو العاصمة، نظراً لأن أي مساس ببقائهم هناك ستكون له نتائج سلبية مباشرة وكبيرة على الاقتصاد الـمكسيكي.
فهل تسعى الولايات الـمتحدة الى تكثيف جهودها، خلال الأشهر الباقية قبل الانتخابات، لوضع الحواجز أمام وصول الـمرشح اليساري الى الرئاسة الـمكسيكية، استباقاً لأية تحولات داخلية في هذا البلد الحيوي أيضاً بالنسبة للاقتصاد الأميركي، حيث العديد من الصناعات الأميركية، خاصة تلك التي تتطلب أيادي عاملة كثيفة، تم نقل ورشها الى هذا البلد كثيف السكان وذي مستوى الـمعيشة الأدنى؟
في واقع الحال، جرت محاولة واحدة كبيرة للنيل من الـمرشح اليساري، أوبرادور، عندما جرى اتهامه بتجاهل أمر قضائي يقضي بوقف العمل في شق طريق على أرض مصادرة تقود الى مستشفى في العاصمة مكسيكو، التي يترأس أوبرادور مجلسها البلدي. وحاولت محكمة مكسيكية، استناداً الى هذه التهمة، أن تفرض عليه عقوبة بدفع غرامة مالية، أو بالسجن إذا لـم يسدد الغرامة. وقد رفض أوبرادور التهمة، ورفض دفع الغرامة، مبدياً استعداده للدخول الى السجن، رغم أن التهمة، برأيه، غير صحيحة. وإزاء الدعم الضمني أو الـمعلن للحزبين اليمينيين الكبيرين الـمنافسين له في الانتخابات الرئاسية لهذا الافتراء، نزل أكثر من مليون مواطن مكسيكي الى الشارع يوم 24 نيسان 2005 لفضح الـمؤامرة التي استهدفت تلطيخ سمعة أوبرادور؛ تمهيداً لـمنعه من الترشح للرئاسة. وتحركت أوساط عالـمية واسعة أيضاً لدعم هذا الـموقف الشعبي الـمكسيكي. ما دفع رئيس الـمكسيك الحالي فوكس، الذي كان قد أيّد قرار الـمحكمة السابق بحق أوبرادور، الى اتخاذ قرار جديد، بعد التحرك الشعبي بثلاثة أيام، بفصل القاضي الذي اتخذ القرار. وهذا الحادث، في نهاية الـمطاف، لـم يُسئ الى أوبرادور، بل زاد من شعبيته، وزاد من إضعاف مرشح الحزب الحاكم في مواجهته في انتخابات الشهر السابع من العام الحالي.
وهكذا تتضح قوة الدعم الشعبي للـمرشح اليساري الرئيسي في انتخابات الرئاسة القادمة. يضاف إليه تضامن بلدان أميركا اللاتينية الأخرى ذات التوجهات اليسارية، ما يعطيه مجالاً غير قليل للحركة. علـماً بأن هناك طيفاً متنوعاً وواسعاً من الأطراف اليسارية والـمناهضة للعولـمة الرأسمالية في البلد، بعضها يعتبر نفسه على يسار أوبرادور، مثل الحركة الزاباتية، التي انطلقت من جنوب البلاد، حيث كثافة حضور سكان البلاد الأصليين (اسم الحركة، كما أشرنا أعلاه، نسبة الى أحد قادة الحركات الثورية الفلاحية في مطلع القرن العشرين، إميليانو زاباتا)0

كولومبيا ... نظام يميني، وقوات أميركية، و"فرق موت"، وحركات ثورية مسلحة!
يبقى أن نشير الى بلد في هذه الـمنطقة له وضع غير عادي، وهو كولومبيا، الواقعة الى الغرب من فنزويلا، في شمال غربي أميركا الجنوبية؛ ففي هذا البلد، تتواجد قوات أميركية كبيرة نسبياً، بحجة مكافحة تجارة الـمخدرات، التي تنطلق من هذا البلد باتجاه الولايات الـمتحدة وبلدان أخرى. ومعروف أن شجرة الكوكا، التي تزرع في هذا البلد وبلدان أخرى مجاورة، تستخدم من قبل سكان القارة الأصليين كمادة منبهة وكمصدر للتداوي، ولكن منها أيضاً يتم استخراج مادة الكوكايين، التي هي من الـمخدرات القوية، ويجري التعاطي معها على نطاق واسع من قبل مدمني الـمخدرات في الولايات الـمتحدة وبلدان أخرى.
وفي واقع الحال، فإن الوجود العسكري الأميركي له أغراض أخرى غير معلنة. خاصة أن كولومبيا لديها حدود أرضية مع أميركا الوسطى، وتحديداً مع بنما، التي تحتضن القناة الشهيرة التي تربط بين الـمحيطين الأطلسي والهادئ، وتفتح الـمجال لتواصل بري، عبر بلدان أميركا الوسطى والـمكسيك، مع الولايات الـمتحدة نفسها. وكانت كولومبيا، وما زالت، مسرحاً، منذ عقود طويلة، لثورات عنيفة ضد الحكم الـمحلي الخاضع لنفوذ الولايات الـمتحدة. وخلافاً لبلدان أخرى في القارة توقفت فيها العمليات العسكرية للقوى الثورية بعد أن انهارت الأنظمة الديكتاتورية التابعة، ومورست الحريات الديمقراطية، بما يسمح بانخراط الحركات الثورية في الحياة السياسية العامة وفي العمليات الانتخابية، فإن طبيعة السلطة والوضع العام في كولومبيا لهما خصوصيات جعلت البلد، حتى الآن، بمنأى عن موجة التحول الديمقراطي الـمفتوح، وعن الاكتساح اليساري عبر الانتخابات الحرة في القارة.
فإلى جانب دور القوات الأميركية وقوات السلطة الـمحلية، التي تتعقب وتحارب القوى اليسارية الـمسلحة تحت غطاء محاربة تجار الـمخدرات، فإن عمليات التصفية الجسدية تتواصل في البلد، منذ أكثر من عشرين عاماً بشكل مكثف، لقادة وكوادر الأحزاب اليسارية التي حاولت أن تشارك في الحياة السياسية العلنية الشرعية، وذلك على أيدي "فرق الـموت" اليمينية، التي تتلقى دعماً من قبل بعض أوساط السلطة اليمينية في البلد. وهو وضع دفع القوى الثورية الرئيسية (وخاصة "القوات الـمسلحة الثورية الكولومبية"، و"جيش التحرير الوطني") الى مواصلة كفاحها الـمسلح من أجل إنهاء هذا الوضع الاستثنائي، سعياً للوصول الى حكم يخدم مصالح شعب كولومبيا، وليس مصالح الولايات الـمتحدة وشركاتها ما فوق القومية.
وبما أن كولومبيا متاخمة لفنزويلا، فلا يستبعد النظام اليساري الحاكم في فنزويلا أن تستخدم كولومبيا كإحدى قواعد الانطلاق للتآمر عليه، ولأي هجوم مستقبلي محتمل من قبل الولايات الـمتحدة على النظام اليساري هناك. وهو احتمال شكّل مدخلاً لنظام تشافيس اليساري للعمل من أجل إنشاء جيش شعبي، يضم الـملايين من الـمواطنين الـمدربين على السلاح، للدفاع عن الثورة في هذا البلد ضد أي اجتياح خارجي من قبل الولايات الـمتحدة وأتباعها. وقد بدئ، بالفعل، بالتدريبات الواسعة في أنحاء فنزويلا مؤخراً. وبما أن فنزويلا تعدّ من السكان بقدر ما يعد العراق تقريباً - حوالي 25 مليون نسمة -، وهي، كما العراق، بلد نفطي رئيسي، فإن اليقظة واجبة، لنظام تعرض حتى الآن لجملة من محاولات الإطاحة به بتشجيع من إدارة الولايات الـمتحدة.

بالنسبة للقوى الـمسيطرة في الولايات الـمتحدة: بعبعان كبيران... تشافيس، والصين!
من الـمنطقي، على ضوء هذا الاستعراض للأوضاع في أميركا اللاتينية، أن يطرح الـمسؤولون الأميركيون على أنفسهم السؤال إياه الذي يطرحونه بالنسبة لـمناطق أخرى من العالـم، خاصة في السنوات الأخيرة، الـمنطقة العربية الإسلامية: لـماذا يكرهوننا الى هذا الحد؟!
ولا شك أن الجواب الـموضوعي سيكون نفسه كما في مناطق العالـم الـمختلفة: لأنكم تعتدون على ثروات الشعوب وتنهبون خيراتها وتستخدمون قوتكم العسكرية والاقتصادية، وتفردكم بالقوة الكونية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لإخضاع العالـم كله لـمصالحكم، ليس الحالية فقط وإنما الـمستقبلية أيضاً. وهو ما يفسر حربكم واحتلالكم للعراق، وتدخلكم في العديد من بلدان العالـم، ودعمكم غير الـمحدود للاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، والعرب الآخرين.
ولكن الـمشكلة أن الحقيقة الـموضوعية لا تعني كثيراً أصحاب القرار في واشنطن، لأنها تتعارض مع مصالحهم ومصالح الشركات الكبرى النافذة والـمؤثرة على القرار في البلد. كما تتعارض مع توجهاتهم الإمبراطورية، التي انتعشت وتضخمت في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل إدارة جورج بوش الابن. وإنما الذي يعنيهم هو كسر الـمقاومة العالـمية لسياساتهم هذه، واستباق نهوض قوى عالـمية أخرى يمكن أن تهدد انفرادهم بالنفوذ العالـمي. وهو ما يفسر خشية واشنطن الـمتزايدة من دخول الصين الاقتصادي والسياسي بقوة الى أميركا اللاتينية، بحيث بات هناك لدى واشنطن، على حد تعبير أحد الـمحللين في تلك الـمنطقة، كابوسان كبيران في أميركا اللاتينية:
ü أولاً، أوغو تشافيس، زعيم فنزويلا الثوري، صاحب الشعبية الهائلة في عموم الـمنطقة اللاتينية، والذي يرى الأميركيون وراءه شبح القائد اليساري الكوبي ذي الخبرة الطويلة في مقارعة السياسات الإمبريالية، فيديل كاسترو...
ü وثانياً، الدور الصيني الـمتزايد في تلك الـمنطقة، في الـمجال الاقتصادي والتجاري أولاً، وفي مجالات أخرى تتسع يوماً بعد يوم، بما في ذلك التدريب العسكري لقوات بلدان الـمنطقة، ما يهدد بتوسيع نطاق الـمنافسة للنفوذ الأميركي الشمالي في القارة "الحديقة الخلفية" لواشنطن في الـماضي غير البعيد. وجدير بالإشارة أن الولايات الـمتحدة كانت قد اتخذت قراراً بوقف الـمساعدات العسكرية والتدريبات لأي بلد لا يوقع اتفاقاً معها، يتعهد فيه بعدم تسليم أي مواطن أو عسكري أميركي لـمحكمة الجنايات الدولية، التي أنشأتها منظمة الأمم الـمتحدة مؤخراً، وحاولت الولايات الـمتحدة أن تحول دون قيامها، لكن دون جدوى. وقد رفض 12 بلداً (من بينها تشيلي، الـمعتدلة يسارياً) من أصل 21 بلداً أميركياً لاتينياً إعطاء مثل هذا التعهد لواشنطن، وهو ما أدى الى وقف الـمساعدات العسكرية عنها ووقف التدريب على السلاح. فسارع عدد من دول الـمنطقة اللاتينية الى الاستعانة بالصين وخبرائها، ولاستيراد أسلحة منها ومن بلدان أخرى في العالـم، مثل روسيا ودول أخرى.




كيف ستواجه واشنطن هذا الوضع الجديد في "حديقتها الخلفية"؟




وبالتأكيد، لن تستسلـم واشنطن بسهولة لواقع انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية؛ فواشنطن، التي غرقت في الـمستنقع العراقي منذ ثلاث سنوات ونيف، لا تهمل مصالحها في مناطق العالـم الأخرى، وإن اضطرت الى تأجيل التركيز مؤقتاً على هذه الـمنطقة أو تلك.
فمن الـمتوقع جداً أن يسعى مسؤولو واشنطن الى أشكال من التخريب على الأنظمة اليسارية الجذرية في أميركا اللاتينية، ومحاولة دق أسافين بينها وبين الأنظمة اليسارية الأكثر حذراً. وقد حرصت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال مشاركتها في حفل تنصيب الرئيسة اليسارية الجديدة في تشيلي، على الإشادة بالتجارب اليسارية الـمعتدلة في القارة والالتقاء بزعمائها الـمشاركين في احتفال التنصيب، في حين تفادت الالتقاء مع رئيس فنزويلا أوغو تشافيس، الذي لـم يكن يوفرها، في العديد من خطبه، بتعليقاته اللاذعة. كما لا يوفر رئيسها بوش بأوصاف أكثر حدة، حيث درج في خطبه وتصريحاته على إطلاق لقب "مستر دينجر"، أي السيد خطَر، عليه، وذهب في خطب وتصريحات أخيرة الى حد تسميته "مستر دونكي"، أي السيد حمار!
فربما تسعى واشنطن، مثلاً، الى إعاقة إعادة انتخاب رئيس البرازيل الحالي "لولا" دا سيلفا في تشرين الأول القادم، رغم كونه مارسَ سياسة حذرة جداً، ولـم يسعَ الى إجراء تحولات اقتصادية جذرية في هذا البلد الكبير. لكن، لكونه يسارياً تعامل بتعاطف مع التجارب اليسارية الأخرى في القارة، بما في ذلك مع تجربة تشافيس في فنزويلا، فإن محاولة الإطاحة به والإتيان برئيس يميني في الانتخابات الرئاسية القادمة ستضع فنزويلا الواقعة الى الشمال من البرازيل في وضع صعب، خاصة إذا ما حدث تحول مشابه لاحق في بلد مهم آخر مثل الأرجنتين.
وكلا الاحتمالين قائم، ولكن غير محسوم حتى الآن في استطلاعات الرأي. وعلاقة هذين البلدين الـمهمين حالياً مع فنزويلا حيوية للنظام اليساري فيه، لكونهما أهم اقتصادين، من حيث حجم الناتج الإجمالي، في أميركا الجنوبية (وحدها الـمكسيك، الواقعة في أميركا الشمالية، تتجاوزهما من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي). ولذلك، ورغـم الإشكالات الكبيرة التي يعيشها حزب الرئيس "لولا" في البرازيل، والفضائح التي أحاطت ببعض رموز نظامه، يبدو مهماً بالنسبة لفنزويلا ألا تتم الإطاحة به، أو بأي مرشح يدعمه إذا قرر عدم تجديد ترشيحه، في الانتخابات البرازيلية القادمة في أواخر العام 2006، لصالح مرشح يميني، يعيد ربط هذا البلد الكبير والـمهم بعجلة التبعية للولايات الـمتحدة. وإن كانت التبعية ستأتي، على الأغلب، أقل فجاجة من التجارب السابقة، بحكم حجم البلد والـمزاج الشعبي الواسع السائد فيه.




هل تمتد هذه التجارب اليسارية الى مناطق أخرى من "العالـم الثالث"؟




والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه بعد هذا العرض لإنجازات قوى اليسار في أميركا اللاتينية هو: هل يمكن أن تمتد مثل هذه التجارب الى مناطق أخرى في العالـم، خاصة في "العالـم الثالث"، الذي تحسب عليه منطقتنا العربية؟
والجواب ليس سهلاً، ولكنه سؤال يستحق التفكير فيه، مع التمعن في خصوصيات وسمات كل منطقة من مناطق العالـم. خاصة أن الاحتجاج الشعبي في الـمنطقة العربية والاسلامية اتخذ، خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، طابعاً أميل الى الارتكاز على التراث والـمرجعيات الدينية منه الى الخيارات اليسارية. وهو ما تجسد بشكل واضح في انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 على النظام الشاهنشاهي، الذي كان شديد التبعية للسياسات الأميركية، الى جانب ظواهر أخرى متنوعة السمات في بلدان أخرى، مثل لبنان وأفغانستان والجزائر وتركيا والعراق وفلسطين وغيرها. وذلك يعود لأسباب متعددة، موضوعية وذاتية. ولا شك بأن إخفاقات التجارب القومية في الـمنطقة العربية، خاصة منذ العدوان الإسرائيلي عام 1967 والهجمات اللاحقة من قبل الولايات الـمتحدة للسيطرة على هذه الـمنطقة الغنية بالنفط، كما وانهيارات التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والجنوبية، منذ أواخر الثمانينيات الـماضية، لها دورها بالتأكيد.
وفي كل الأحوال، فإن من الضروري والحيوي لليسار في منطقتنا والعالـم، وحتى لكل القوى والتيارات الوطنية الاستقلالية، فتح خطوط قوية مع أنظمة وقوى أميركا اللاتينية اليسارية، التي عبرت كلها عن تضامنها غير الـمحدود مع نضال الشعب الفلسطيني ومجمل الشعوب العربية. وهو ما اتضح بشكل خاص في لقاءات الـمنتدى الاجتماعي العالـمي التي جرت في البرازيل (بورتو أليغري) في الأعوام الـماضية، وفي فنزويلا (كراكاس) مؤخراً. كما عبرت كل أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية عن إدانتها القوية للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق، وهو الغزو الذي يلقى رفضاً شعبياً كاسحاً في تلك الـمنطقة، وفق استطلاعات الرأي التي أُجريت فيها، بما في ذلك من قبل مؤسسات استطلاع في الولايات الـمتحدة.
ومن الـمحزن أن أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية كانت، في الفترة الأخيرة، أكثر حرصاً من غالبية الأنظمة العربية على توثيق العلاقات بين الـمنطقتين. وهو ما اتضح في القمة العربية ـ الأميركية الجنوبية، التي دعا إليها ونظمها رئيس البرازيل "لولا" داسيلفا في عاصمة بلده برازيليا، في أيار 2005. وكانت الـمشاركة العربية الغالبة فيها ضعيفة ومن مستوى أقل من الـمسؤول الأول، في حين أن الطرف الأميركي الجنوبي حضر بأعلى الـمستويات، وحرص على صدور قرارات تضامن قوية مع شعوب الأمة العربية. وذهب رئيس البرازيل اليساري، الذي دعا إلى عقد القمة، الى حد رفض طلب للولايات الـمتحدة بالـمشاركة في هذه القمة بصفة مراقب!




وهل تشق تجارب أميركا اللاتينية مسارات جديدة للتحول الاشتراكي؟




وأهمية نجاح هذه التجارب في أميركا اللاتينية، خاصة الأكثر تقدماً وجذرية من بينها، تكمن في كونها قد تفتح الآفاق لتحولات عالـمية جديدة نحو الخيارات اليسارية، وبطرق وسمات مختلفة عن تجارب سابقة، سواء تجربة الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية أو تجارب أخرى ما زالت قائمة في العالـم.
ومن الـمهم متابعة إمكانية التحول نحو اليسار وتجاوز حالة التبعية للنظام الرأسمالي العالـمي، عبر توفير أعلى درجة من العدالة الاجتماعية، مع التمسك بالحريات الديمقراطية الأساسية، بما فيها حرية التعبير والتنظيم، وبالتالي التعددية السياسية والفكرية. بحيث تنتصر الخيارات اليسارية بانحياز طوعي وقناعة من غالبية الشعب، لتتجند أوسع قطاعاته في عملية التحول وبناء الـمجتمعات الـمنصفة والعادلة، التي تسمح بازدهار الإنسان، كل إنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دون التضحية بهذه الحريات الديمقراطية، بصيغها الأكثر تطوراً ونضجاً طبعاً، ودون افتعال تناقض غير صحيح بين هذه الحريات وبين ما كان يسمى في تجارب سابقة "الديمقراطية الاجتماعية"، خاصة أن أوضاع العالـم تغيرت كثيراً خلال القرن الذي مضى، وتطور وعي الناس لأهمية حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية، الى جانب وعلى أرضية ضمان حقوقهم أولاً في العيش بكرامة ومساواة.
وينبغي هنا التحذير من أوهام، كانت منتشرة في الـماضي، حول كون الاشتراكية مسألة إرادوية يمكن تحقيقها بقرار ونشاط مجموعة صغيرة من الناس، قبل ودون تطوير الـمجتمعات الـمعنية، وتحقيق تراكم رأسمالي متقدم فيها، وتطور اقتصادي واجتماعي وثقافي كافٍ لتجاوز الـمرحلة الرأسمالية من فوقها، أي الانتقال من أعلى مرحلة من التطور على كافة الصعد في الـمجتمعات الرأسمالية الى مرحلة التحول الاشتراكي.
وإن كان، وما زال، من الـممكن طبعاً أن تجري عملية التراكم والتطور بقيادة يسارية جذرية وقديرة، بإمكانها التعامل مع هذه الـمهمات الـمعقدة بعقلية خلاقة وواسعة الأفق، تتجاوز الإرادوية القهرية، التي أثبتت انهيارات الثمانينيات والتسعينيات الـماضية أنها لا يمكن أن تكون بديلاً من إنضاج وتوفير الظروف الـموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، والذاتية، أي مستوى الوعي والثقافة والإدراك الجماعي للحاجة الى هذا النظام الأرقى.
فأنصار الفكر الاشتراكي، والطامحون الى مجتمعات متطورة ومنصفة للبشرية كلها، خالية من الاضطهاد والاستغلال، ما زالوا يتابعون باهتمام كل التجارب الانتقالية القائمة حالياً في آسيا الشرقية، وتلك التي يبحث الثوريون اليساريون في أميركا اللاتينية عن طريق جديد إليها في قارتهم الـمتقدة بالعزيمة والطموح الإنساني غير الـمحدود.


__________________








لابد احيانا من لزوم الصمت ليسمعنا الاخرين.. !!
جيفارا الشمال غير متصل   رد مع اقتباس


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:19.

Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.2.0