موت اليسار الستاليني في فلسطين
رندة أبو نعيم
لفهم الأسباب التي تحرك وتقف خلف التدهور السريع لليسار الفلسطيني، خصوصا بعيد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران 2007، نحتاج للتدقيق وفهم مواقف اليسار المعلنة في فلسطين. فالمقابلات والتصريحات التي أدلى بها عبد الرحيم ملوح، نائب أمين سر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عقب الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية، توضح أن الجبهة الشعبية قد اختارت الوقوف في صف التيار اليميني داخل حركة فتح. وما يثير العجب أن هذا الموقف نفسه قد صدر من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، والأمر ذاته ينطلي على حزب الشعب. كل ذلك على الرغم من الأجندة المأمركة التي أعلن عنها وتبناها محمود عباس و تياره في فتح.
ان هذه الانتكاسة وانقلاب المواقف كليا من قبل اليسار الفلسطيني ليس بالأمر المستعجب أو الغريب، فتاريخيا أنتج اليسار الستاليني أنظمة ومواقف غير ديمقراطية، هذا إن تحدثنا بصفة عامة أو بصفة خاصة فيما يتعلق بأجندته بخصوص فلسطين. وعدم تقبلها هذا للديمقراطية إنما هو وليد كونها نتاج للفكر والايدولوجيا الستالينية. وبناء على تلك الايدولوجيا المهيمنة على اليسار الفلسطيني فإن كل من حزب الشعب ( والذي اعترف بإسرائيل لحظة إعلان نشوءها) والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ( والتي تقدمت بالبرنامج المرحلي) لم يتقبلا نتائج انتخابات يناير 2006. تلك الانتخابات الوحيدة في الشرق الأوسط التي لا علاقة لها بالإثنيات أو المرجعيات الدينية. وعلى النقيض من الخرافات التي يتناقلها الغرب، فإن تلك الانتخابات أثبتت بان إسرائيل ليست الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.وعلى النقيض من ذلك، فإن الديمقراطية الإسرائيلية موجهة فقط لليهود، تماما كحال نظام الفصل في جنوب إفريقيا حيث وجهت الديمقراطية للبيض فقط.
وبدلا من البناء على هذا الانجاز غير المسبوق لإرادة الشعب في العالم العربي، فإن القوى العلمانية الفلسطينية وبدلا من مراجعة حساباتها وأسباب هزيمتها راحت تحاول السيطرة على بعض الامتيازات هنا والأخرى هناك. وتغاضت تلك القوى العلمانية وتجاهلت الحقيقة المكشوفة للجنرال دايتون وخطته المكشوفة لاستخدام قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لضرب حكومة حماس وتقويض الخيار الديمقراطي للجماهير.
الانتخابات الفلسطينية كان من الممكن أن تكون بوابة وفاتحة لحقبة جديدة من الديمقراطية الحقيقة في الشرق الأوسط. كان من الممكن أن تنتج ديمقراطية تتساوي وتتشارك مع ديمقراطيات العالم الحر. إلا أن ما كل ما يشتهي المرء يدركه. فاليسار الفلسطيني والذي تم تفريغه من مضمونه وبرنامجه الثوري كنتاج لارتباطه بالسلطة نفسها، عاد للمرجعية الستالينية لرفض نتائج الانتخابات.
فانعدام البرنامج الثوري هو وحده السبب الذي يمكن أن يفسر تأييد تلك القوى للتيار الديكتاتوري في منظمة التحرير. ومن خلال التبريرات السفسطائية وانعدام الجدلية الديالكتية لتحليل الأحداث في قطاع غزة، أصبح موقف اليسار واضحا: الوضع في غزة هو نتاج حماس التي تم انتخابها ديمقراطيا، بدون الإشارة للدور الذي لعبه الجنرال الأمريكي دايتون، وبذلك تغيب المادية التاريخية والخطاب المعادي للامبريالية. الخطب الرنانة فارغة المضمون تحولت إلى سلاح لا يستخدمه فقط "الأنظمة العربية الرجعية" بل تم تبني سياستها من قِبَل اليسار. حتى أن ستالين نفسه سيٌّسعده كثيرا رؤية طريقة عمل أتباعه في فلسطين.
الناشطة النسوية الفلسطينية ماجدة حسن تسمي كل ذلك بعملية " اسلوة لليسار"، وهي خليط من الفساد والاتجار بالمبادئ الثورية والشعارات. فالهدف النهائي لهذا الشلال من الدماء هو إقامة دويلة فلسطينية بأي بعد كان. كنموذج حل الدولتين والذي يفشل في تفسير كيف يمكن ضمان عودة أكثر ستة ملايين لاجئ فلسطيني إلى ديارهم التي هجروا منها داخل إسرائيل الآن، مع قيام دولة فلسطينية في نفس الوقت على أقل من 22% من أرض فلسطين التاريخية!! . أما حل الدولة الواحدة كما حصل في جنوب إفريقيا، فهو بالنسبة لليسار الفلسطيني، مجرد خيار طوباوي بعيد المنال!وهم يفشلون أيضا في تفسير كيفية إعادة هيكلة منظمة التحرير لتتضمن حركات ذات قواعد شعبية كبيرة مثل حماس والجهاد الإسلامي، في الوقت الذي تنهب فيه منظمة التحرير بواسطة نفس الأشخاص الذين تحكموا فيها منذ 40 عاما، والذين هم بالمناسبة أعوان وحلفاء اليسار. ولا يتقدمون حتى بخطط أو أطروحات لإعادة اللحمة ما بين غزة والضفة الغربية باستثناء "عودة الأمور لوضعها قبيل حزيران 2007". ولا يبدون أي معارضة للتنسيق الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال في الضفة الغربية.
فإذا لم يكن اليسار الفلسطيني قادرا على تطوير وهيكلة برنامج ثوري بديل، والتخلص من خرافات حل الدولتين، فسنضطر للعيش مع ثنائية حماس-فتح لوقت قد يطول. الإشارات من اليسار الفلسطيني ليست مشجعة. ويبدو أننا نتجه نحو نهاية اليسار الفلسطيني، إذا لم يكن قد مات أصلا.
رندة أبو نعيم: ناشطة فلسطينية في مجال حقوق الإنسان، مقيمة في رفح-قطاع غزة